صديق الحسيني القنوجي البخاري
527
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن السكيت : العرب تقول الأيام في معنى الوقائع ، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعها . وقال الزجاج : بنعم اللّه عليهم وبنقم أيام اللّه التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود ، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد . وأخرج النسائي والبيهقي وغيرهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « ذكرهم بنعم اللّه وآلائه » « 1 » وبه قال ابن عباس . وقال الربيع بوقائع في القرون الأولى ، ويترجح تفسير أيام اللّه ببلائه ونعمه وفي تفسير ابن جرير بأيام اللّه ، أي بأنواع عقوباته الفائضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه ، وفي القاموس وأيام اللّه نعمه ويوم أي يوم شديد ، وآخر يوم في الشهر ، وفي المختار وربما عبروا عن الشدة باليوم . إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير بأيام اللّه أو في نفس أيام اللّه لَآياتٍ أي لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر على المحن والمنح شَكُورٍ كثير الشكر للنعم التي أنعم اللّه بها عليه لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد بذلك كل مؤمن ، وعبر عنه بالوصفين لأنهما ملاك الإيمان وعنوان المؤمن ، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر عاقبة الصبر . قال قتادة في الآية : نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر ؛ وإذا أعطى شكر ، وإنما خص الصبار والشكور وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم . وَإِذْ قالَ مُوسى أي اذكر وقت قول موسى لِقَوْمِهِ والمعنى اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ أي أنعامه عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ أي وقت إنجائه لكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ أي يبغونكم ، يقال سامه ظلما أي أولاه ظلما ، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء . سُوءَ الْعَذابِ مصدر ساء يسوء والمراد جنس العذاب السئ وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة . وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ المولودين لقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون ، وعطف يُذَبِّحُونَ على يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيرا لسوء العذاب .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 122 .